الشيخ محمد علي طه الدرة
162
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
بأصحابه من ثنيات الوداع بعد ما خرجوا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحرب قريش . وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي : دبروا لك المكايد ، والحيل ، ورددوا الآراء في إبطال أمرك ، وتفريق أصحابك عنك ، حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي : التأييد والنصر الإلهي ، وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ : علا دين اللّه وانتصر . وَهُمْ كارِهُونَ : لما منّ اللّه به عليك من النصر المظفر ، والعزة والسيادة ، ورفعة الشأن ، وعلو القدر فدخلوا في الإسلام ظاهرا ، هذا ؛ وفي الآية وسابقتها كشف لأسرار المنافقين ، وهتك لأسرارهم ، وما فيهما وما يذكر في غيرهما هو الذي جعل سورة ( التوبة ) جديرة بأن تسمى بالأسماء التي رأيتها في أولها ، هذا ؛ والفتنة تطلق على الشر والفساد ، وعلى الشرك ، وعلى الاختبار والابتلاء والامتحان مما رأيته سابقا . الإعراب : لَقَدِ : اللام : واقعة في جواب قسم محذوف ، التقدير : واللّه ، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف ، تقديره : أقسم ، ويقال : اللام لام الابتداء . ( قد ) : حرف تحقيق يقرب الماضي من الحال . ابْتَغَوُا : ماض مبني على فتح مقدر على الألف المحذوفة لالتقائها ساكنة مع واو الجماعة ، والواو فاعله ، والألف للتفريق . الْفِتْنَةَ : مفعول به . مِنْ قَبْلُ : متعلقان بالفعل قبلهما ، وبني قبل على الضم لقطعه عن الإضافة لفظا لا معنى ، وجملة : لَقَدِ ابْتَغَوُا . . . إلخ : لا محل لها على الوجهين المعتبرين في اللام ، وجملة : وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ : معطوفة عليها ، لا محل لها مثلها ، حَتَّى : حرف غاية وجر بعدها « أن » مضمرة تقديرا : جاءَ الْحَقُّ : فعل وفاعل ، و « أن » المضمرة والفعل جاءَ في تأويل مصدر في محل جر ب حَتَّى ، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف ؛ إذ التقدير : واستمروا على تقليب الأمور . أي : على خبثهم ومكرهم إلى مجيء أمر اللّه ، وجملة : وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ : معطوفة على ما قبلها ، فهي داخلة في الغاية حكما ، والجملة الاسمية : وَهُمْ كارِهُونَ : في محل نصب حال من واو الجماعة ، والرابط : الواو ، والضمير . [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 49 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ ( 49 ) الشرح : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي أي : من المنافقين من يقول : ائذن لي في القعود عن الجهاد ، والتخلف عن الخروج معك ، وَلا تَفْتِنِّي أي : ولا توقعني في الفتنة ، أي : العصيان والمخالفة ، وفيه إشعار بأنه متخلف لا محالة ، أذن له ، أم لم يؤذن ، أو بالفتنة بنساء الروم ، لما روي أن الجد بن قيس أخي بني سلمى قال للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، حين قال له : « يا جد هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم سراري ووصفاء ؟ ! » . فقال : يا رسول اللّه لقد عرف قومي : أني رجل مغرم بحب النساء ، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن ، ائذن لي